توجهات قطاع الطاقة في الأردن

{clean_title}

القبة نيوز - حددت خطة العمل التنفيذية للاستراتيجية الشاملة لقطاع الطاقة للأعوام 2020-2030، الخطوط العريضة للتوجهات الأردنية في ملف الطاقة محلياً، وكذلك للانخراط الأردني في مشهد الطاقة الإقليمي، من خلال توظيف الاعتبارات الجغرافية والمعطيات اللوجستية لتأدية دور إقليمي هام، وعليه يسعى هذا التقرير إلى إبراز محاور الاستراتيجية الأردنية في الطاقة وخصوصية الدور الأردني في مشاريع الطاقة الإقليمي.


لطالما شكّل ملف الطاقة في المنطقة نقطة خلاف أو التقاء للمصالح الإقليمية والدولية للعديد من الأطراف المهتمة بالمساهمة في إدارة هذا الملف من حيث التحكم بشكل كلي أو جزئي لآليات وكميات الاستخراج والتوليد وصولاً إلى شبكات النقل والتوزيع، حيث من المفترض أن تؤمن هذه المساهمة العوائد الاقتصادية والمشاركة التأثيرية على المشهد الجيوسياسي في المنطقة ككل.

ويبدو أن الأردن يسعى للانخراط في مشهد الطاقة، وما يدل على ذلك كونه جزءا من مشاريع نقل الكهرباء إلى لبنان عبر سوريا بعد استيراد الغاز المصري وأيضاً نقل هذا الأخير إلى لبنان عبر خط الغاز العربي، بالإضافة إلى التخطيط لتوريد الكهرباء إلى العراق في إطار مشاريع الشراكة الثلاثية مع كل من القاهرة وبغداد، وبالتوازي مع ذلك أطلقت وزارة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية "خطة العمل التنفيذية للاستراتيجية الشاملة لقطاع الطاقة للأعوام 2020-2030"، التي تشير إلى مجموعة من الخصائص والأدوار الأردنية في مشهد الطاقة الإقليمي.

وعليه يسعى هذا التقرير للإجابة عن مجموعة من الأسئلة من قبيل: ما أبرز محاور هذه الاستراتيجية؟ وهل يمكن أن يكون هناك دور أو خصوصية أردنية في المشهد الطاقوي الإقليمي؟ وكيف يوائم الأردن بين احتياجاته المحلية ورغبته الانخراط في هذا المشهد؟

من أجل الإجابة على هذه الأسئلة، يجب أن يسبق ذلك الاطلاع على أبرز معالم خارطة الطاقة على الساحة الأردنية لفهم التطلعات الأردنية في هذا المجال ومدى إمكانية تحقيق هذه التطلعات.

في الواقع وعلى عكس أغلب جيرانه في المنطقة، تُعد موارد الطاقة في الأردن محدودية للغاية، حيث استوردت المملكة ما يقارب 94% من احتياجاتها من الطاقة في عام 2017 أي ما شكل 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي حينها، هذا يقودنا منذ البداية إلى استنتاج مفاده أن السلطات الأردنية تسعى قدر الإمكان إلى سد الحاجات المحلية في المقام الأول لعدم توفر قدرة على التصدير، ومن هنا جرى العمل على صياغة استراتيجية قطاع الطاقة المشار إليها، والتي تهدف باختصار إلى تعزيز الاعتماد على الذات فيما يخص إدارة قطاع الطاقة بما يضمن الاستدامة وأمان التزود بالطاقة.

وتستهدف الخطة توليد الكهرباء بنسبة 48.5% من مصادر الطاقة المحلية في 2030 بدلاً من 15% وهي النسبة الحالية، وذلك بشكل رئيسي من خلال زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء من 21% 2400 ميجاواط إلى 31% 3200 ميجاواط في عام 2030، وذلك على حساب خفض الاعتماد على الغاز الطبيعي من 61% إلى 53% والمشتقات النفطية من 3% إلى 1%، مع الإبقاء على الاعتماد على الصخر الزيتي عند نفس النسبة 15%، وسيتم التوصل إلى هذا الهدف عبر تكثيف عمليات التنقيب عن الغاز والنفط وجذب الاستثمارات الأجنبية في مجال الطاقة المتجددة.

هناك تسع محطات تقوم بتوليد الكهرباء في الأردن بالاعتماد بشكل أساسي على الغاز بإجمالي استطاعة توليدية تزيد عن 4600 ميغاواط بحسب النشرة الإحصائية الصادرة عن هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن لعام 2020، بينما تبلغ الحاجة المحلية منها 3600 ميغاواط (الحمل الأقصى)، ما يعني أن هناك أكثر من ألف ميغاواط فائضة عن حاجة البلاد، مع العلم أن مشروع العطارات لتوليد الطاقة الكهربائية الذي يعتبر أكبر استثمار أجنبي في تاريخ البلاد بقيمة 2.1 مليار دولار بدأ في أواخر مايو الماضي في المرحلة التشغيلية الأولى باستطاعة توليدية تبلغ 235 ميغاواط مع العلم أن المشروع سيكون قادر على توليد 470 ميغاواط بعد مرحلة التشغيل الكامل.

وبالنظر إلى أرقام الاستطاعة التوليدية والاستهلاك المحلي للكهرباء، فالأردن قادر بحكم المعطيات على أرض الواقع على الانخراط في مشهد الطاقة الإقليمي عبر تصدير الكهرباء لدول الجوار في المقام الأول وفي المرحلة الراهنة تحديداً، وهذا ما يتطلب بطبيعة الحال الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع الأطراف المعنية عند مستوى عال من التواصل والتنسيق، ما يجعل من مشاريع تصدير الكهرباء جزءا من جملة العلاقات الاقتصادية -بما في ذلك كافة حقول الطاقة الأخرى- التي تؤثر بقدر معين في السلوك الدبلوماسي.

وهذا ما نشهده حالياً بين الأردن وسوريا، حيث يتم التنسيق في المجالات الاقتصادية على مستويات التجارة والطاقة، حيث لن يكون هناك إمكانية لتصدير الكهرباء إلى لبنان إلا من خلال سوريا، خاصة مع إعلان الولايات المتحدة عبر سفيرتها في بيروت، دورثي شيا، في أغسطس الماضي بعدم ممانعة بلادها للبدء في مشروع استيراد الكهرباء والغاز من الأردن ومصر عبر سوريا، حيث أن الجانب الأمريكي سيكون جزءا من المباحثات مع البنك الدولي فيما يخص سُبل تمويل المشروع.

وبالنسبة للعراق، فمن المفترض أن تصل الكهرباء الأردنية إلى هناك في مطلع عام 2022، حيث سيقوم الأردن بتصدير 150 ميغاواط بشكل سنوي، أما في الضفة الغربية فيتم التنسيق بين الجهات المعنية في كلا الجانبين لرفع كمية الكهرباء المصدرة من 26 إلى 80 ميغاواط.

وللدلالة على أهمية التكامل الطاقي الإقليمي بالنسبة للأردن، تضمن برنامج أولويات عمل الحكومة الاقتصادي 2021-2023، الذي جرى الإعلان عنه في 29 أغسطس الماضي، إشارة إلى ضرورة استكمال مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي، والتي من ضمنها رفع قدرة خط الربط الكهربائي بين الأردن ومصر من 550 إلى 1100 ميغاواط بحلول عام 2023، بينما جاء في التقرير السنوي لشركة الكهرباء الوطنية في عام 2020، بأن المملكة وقعت في أغسطس 2020 مذكرة تفاهم مع العربية السعودية للتفاهم على تصدير واستيراد الكهرباء من خلال خط ربط بطول 127 كم يصل بين شرق عمان والقريات في الجانب السعودي.

توظيف تطبيقات الطاقة الأردنية في الساحة الإقليمية

فيما يتعلق بالنفط والغاز، هناك توجه نحو تقليل التكلفة على خزينة الدولة من خلال خفض الاعتماد عليهما تدريجياً لمصلحة الطاقة المتجددة، فعلى سبيل المثال بدأت مصفاة البترول في محافظة الزرقاء في 9 سبتمبر الماضي باستقبال شحنات النفط العراقي في إطار اتفاق جديد لتوريد 3.7 مليون برميل إلى الأردن بمعدل 10 آلاف برميل يومياً بسعر تفضيلي يقل عن سعر خام برنت بـ16 دولار، مع العلم أن هذه الكمية تشكل 10% من الاحتياجات اليومية الأردنية.

تجدر الإشارة إلى أنه عند إنجاز مشروع مد أنبوب النفط من البصرة إلى ميناء العقبة، سيتم تأمين احتياجات المملكة من النفط بأسعار تفضيلية على مدار العام، حيث سيؤمن المشروع 150 ألف برميل نفط يومياً للأردن ناهيك عن رسوم العبور وتشغيل الأيدي العاملة الأردنية، يُذكر أن مشروع بهذا الحجم كان الحديث يدور عنه في منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلا أن الظروف الأمنية والسياسية التي مرت بها المنطقة بشكل عام والعراق تحديداً حالت دون تنفيذه على أمر الواقع، لكن المشروع الآن جرى تأطيره في جملة مشاريع الشراكة الثلاثية التي تضم القاهرة، باعتبار أن توريد النفط بأسعار تفضيلية سيصل إلى مصر وبالتالي اتسع الحامل والمبرر الإقليمي للمشروع بشكل عام، وفي نفس الوقت من غير الواضح مدى تأثير المتغيرات في الساحة السياسية العراقية على سير المشروع.

وأولت السلطات الأردنية اهتماماً كبيراً لرفع المخزون الاستراتيجي من المواد البترولية، وذلك لضمان أمن التزود بالطاقة في حالات الطوارئ، وللاستفادة من انخفاض الأسعار العالمية للنفط وبالتالي التقليل من الأعباء المالية على الخزينة، ومن هنا تأسست في 2015 الشركة الأردنية اللوجستية للمرافق النفطية (JOTC) المملوكة بالكامل للحكومة الأردنية والتي قامت بتخزين ما يقارب الـ 968 ألف متر مكعب من المشتقات البترولية والغاز المسال في 2020، وهذه الشركة معنية بتقديم خدمات التخزين والمناولة والنقل للعملاء المحليين والإقليميين كرديف لمخزونات شركة مصفاة البترول الأردنية.

ويُشار إلى أن خطة العمل التنفيذية للاستراتيجية الشاملة لقطاع الطاقة المشار إليها أعلاه تضمنت مشروع يهدف إلى التوصل لتفاهمات مع كل من الحكومة السورية واللبنانية والعراقية والسلطة الوطنية الفلسطينية، تفضي إلى تزويدها بالمشتقات النفطية عبر الأراضي الأردنية، ما يدل بشكل واضح إلى التوجه إلى التوظيف الخارجي لجزء من منشآت التخزين، إلى جانب توجه إلى فتح باب الاستثمار في بناء هذه المنشآت.

وجرى مؤخراً رفع إنتاجية حقل حمزة النفطي الواقع شرق محافظة الأزرق بالقرب من الحدود السعودية إلى 2000 برميل يومياً ليوفر 1.5% من الاحتياجات اليومية المحلية التي تبلغ حوالي 140 ألف برميل، أما بالنسبة لحقل الريشة في محافظة المفرق لاستخراج الغاز الطبيعي فقد ارتفعت قدرته الإنتاجية في 2020 إلى 27 قدم مكعب ما يعني تغطية 7.7% من الحاجة اليومية للسوق المحلية والبالغة 350 قدم مكعب.

وهذان الحدثان يؤكدان على الإصرار الرسمي للاستفادة من كافة الإمكانيات المتاحة، وفي نفس الوقت البعث برسالة إلى المستثمرين في الإقليم والعالم على الاهتمام الاستراتيجي في مجال الطاقة.

بناءً على ما سبق؛ يظهر سعي الأردن لتحقيق الاستفادة بأكبر قدر من موقعه الجيوستراتيجي في المنطقة ليكون بمثابة مركز إقليمي لعبور الطاقة وتبادلها مع محيطه في المقام الأول، في نمط يشبه إلى حد ما الدور التركي بهذا الصدد، حيث أن تركيا تعتبر ممر مهم لخطوط الغاز الطبيعي من آسيا الوسطى وروسيا نحو القارة الأوروبية.

ويُمكن وصف العام القادم بأنه عام الطاقة بالنسبة للأردن حيث سيتم الربط ليشمل الربط الكهربائي كافة الدول المجاورة لها في استمرارية مشاريع الربط الكهربائي الثماني الذي يضم كل من الأردن، وسوريا ولبنان والعراق والأراضي الفلسطينية ومصر وليبيا وتركيا، والذي بدء العمل عليه منذ عام 1998 والذي يهدف إلى استدامة التزود بالطاقة وخفض الاعتماد على الوقود في إنتاج الكهرباء، وبالتالي سيكون الأردن هو حلقة الوصل لهذا المشروع من حيث ربط دول الخليج بمصر وشمال أفريقيا مع إمكانية ربطها بأوروبا، إلى جانب إنشاء محطة إقليمية لتخزين وتوزيع المشتقات البترولية إلى الدول المجاورة عبر التوسع في بناء مستودعات التخزين وما يرتبط بذلك من مرافق وبنى تحتية لازمة، بالتوازي مع رفع الاعتماد المحلي على الطاقة المتجددة.

التعاون الإقليمي في قطاع الطاقة بالتوازي مع تطوير ورفع السوية التقنية للقدرات المحلية، هذا هو مُلخص توجهات قطاع الطاقة في الأردن، بهدف تحقيق دورا مركزيا إقليميا يكون مدخله الطاقة، وتستند على تحويل الأردن إلى عقدة ربط لعبور الطاقة بين دول منطقة غرب آسيا في المقام الأول، إلى جانب توسيع المزيج الاستثماري من دول الإقليم والعالم في قطاع الطاقة الأردني لتقريب المصالح الاقتصادية في سياق يعزز موقع الأردن كجغرافيا آمنة لا تُخضع السلوك الاقتصادي للاعتبارات السياسية.

عن STRATEGIECS


 


 
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2010 - 2021
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )