الصحفي رفاد العياصره يكتب الفصل الثالث: جدارا مدينة الفلاسفة والشعراء
بقلم الصحفي :رفاد العياصرة
كل المدن القديمة في الأردن كانت تبحث عن شيء..
البتراء كانت تبحث عن المال. حفرت بيوتها في الصخر وفتحت خزائنها للقوافل القادمة من اليمن والهند، فصارت أغنى مدينة في الصحراء.
وجرش كانت تبحث عن القوة. بنت أسوارها العالية ومسارحها الضخمة ومعسكرات جنودها، لتقول لروما: نحن هنا نحرس حدودكم.
أما جدارا.. فكانت تبحث عن شيء آخر تماماً.
لم تبحث عن مال ولا عن جنود.. بحثت عن الإنسان.
لذلك اختلفت.
جرش والبتراء بنتهما الأيدي، أما جدارا فبناها العقل.
إذا دخلت جرش تشعر أنك في ثكنة عسكرية منظمة، وإذا دخلت البتراء تشعر أنك في بنك ضخم من الحجر الوردي، أما إذا وقفت في جدارا، فوق المسرح الغربي والهواء يضرب وجهك القادم من بحيرة طبريا.. فستشعر أنك في جامعة. جامعة قديمة، مفتوحة على السماء.
جدارا لم تكن مدينة عادية في اتحاد الديكابولس، كانت هي العقل المدبر له. كانت أثينا الجديدة، لكنها في الشرق. روما كانت تأخذ منها الفلسفة كما تأخذ من البتراء البخور.
جدارا لم تكن تصدر القمح والزيت، كانت تصدر رجالاً غيروا تاريخ الفكر الإنساني. أربعة أسماء فقط، كل واحد منهم كفيل بأن يجعل مدينة خالدة:
1. مينيپوس Menippus: الفيلسوف الذي ضحك على العالم
تخيل فيلسوفاً لا يلبس عباءة الفلاسفة، بل يلبس خرقة، ولا يجلس في قصر، بل ينام في برميل، ويسخر من كل شيء: من الأغنياء، من الحكام، من الآلهة نفسها!
هذا هو مينيپوس الجداري. كان عبداً فقيراً في جدارا، فاشترى حريته بماله، ثم اشترى حريته بعقله.
هو من أسس فن السخرية الفلسفية، ما يسمى "الهجاء المينيبي". كان يقول للناس: أنتم تأخذون الحياة بجدية أكثر من اللازم، أنتم عبيد لطمعكم.
مات غنياً منتحراً بعد أن خسر ماله، لكنه ترك مدرسة كاملة اسمها المدرسة الكلبية الساخرة، التي أثرت على كل الفلاسفة بعده. كان أول من قال: الحرية الحقيقية هي أن تضحك.
2. ميلياغروس Meleager: شاعر الحب الذي اخترع كتاب الحب
إذا كان مينيپوس يمثل عقل جدارا الساخر، فميلياغروس يمثل قلبها العاشق.
هذا الرجل كان شاعراً رقيقاً، يكتب عن الحب والمرأة والخمر والزهر بطريقة لم يكتب بها أحد قبله في الشرق.
أعظم ما فعله أنه جمع كل قصائد الحب اليونانية في كتاب واحد سماه "الإكليل The Garland". تخيل.. أول كتاب أنطولوجيا شعرية في تاريخ البشرية جمعه رجل من أم قيس!
كان يقول في إحدى قصائده وهو ينظر من جدارا إلى طبريا:
"إذا كنتِ في سوريا فسلامي لكِ، وإذا كنتِ في فينيقيا فسلامي لكِ، وإذا كنتِ في أي مكان في العالم، فسلامي لا يزال لكِ".
جدارا علمته أن الحب بلا حدود، مثل إطلالتها.
3. ثيودوروس Theodorus: معلم أبناء الأباطرة
روما كانت تحكم العالم بالسيف، لكنها كانت تحتاج لمن يعلم أبناءها كيف يتكلمون.
فاستدعت ثيودوروس الجداري.
كان أعظم معلم خطابة في العالم الروماني. لدرجة أن الإمبراطور أغسطس نفسه، أقوى رجل في العالم، أرسل له ابنه تيبريوس الذي سيصبح إمبراطوراً بعد ذلك، ليتعلم على يديه في جدارا.
تخيل.. إمبراطور روما المستقبلي يجلس كتلميذ صغير أمام أستاذ من أم قيس يصحح له مخارج الحروف! هذا هو مجد جدارا الحقيقي.
4. فيلوديموس Philodemus: الفيلسوف الذي علّم الرومان كيف يفكرون
هرب من جدارا إلى أثينا، ثم إلى روما. وهناك في روما، في مدينة القوة والسيوف، بنى مكتبة فلسفية كاملة.
كان أبيقورياً، يؤمن بأن هدف الحياة هو السعادة والطمأنينة، وليس الحرب والمال.
كتب أكثر من 36 كتاباً في الفلسفة والأخلاق والموسيقى، ودفنت كتبه في مكتبة فيلا في مدينة هيركولانيوم التي دمرها بركان فيزوف، وبقيت مدفونة 2000 سنة حتى اكتشفها العلماء اليوم.. ولا يزالون يقرؤونها حتى الآن.
أفكاره انتشرت بين شعراء روما الكبار مثل فيرجيل وهوراس.
انظر إلى المعادلة:
البتراء كانت تصدر اللبان والمر..
وجرش كانت تصدر الجنود..
أما جدارا فكانت تصدر: فيلسوفاً ساخراً، وشاعراً عاشقاً، ومعلماً للإمبراطور، وفيلسوفاً علّم روما.
لذلك ماتت البتراء عندما انتهت طرق التجارة، وماتت جرش عندما انسحب الجيش الروماني..
أما جدارا فلم تمت.. لأن الفكرة لا تموت.
















