الصحفي رفاد العياصرة يكتب الفصل السادس: الفتح الإسلامي والأمويون
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة
عندما كانت الزرقاء "ريفييرا" الخلفاء
: من صحراء صيد إلى قصور خلود
تخيل معي.. أنت خليفة تحكم نصف العالم من دمشق، ضجيج السياسة والفتوحات والوفود لا ينقطع. أين تهرب؟
لم يهرب الأمويون إلى الجبال، بل هربوا إلى صحرائنا. إلى الزرقاء.
قد تبدو لك الزرقاء اليوم مدينة مصانع وإسمنت وزحام، لكن قبل 1300 سنة، كانت شيئاً آخر تماماً. كانت "المالديف" بالنسبة للأمويين. صحراء خضراء، مليئة بالعيون والبرك الرومانية، وقطعان الغزلان تجري فيها كأنها حديقة صيد ملكية خاصة.
لهذا السبب، لم يمر الفتح الإسلامي من هنا مرور الكرام. دخلها الصحابي الجليل شرحبيل بن حسنة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 636م، ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الزرقاء مجرد ممر للقوافل، بل أصبحت في العصر الأموي منتجع الخلفاء الرسمي، المكان الذي يبنون فيه قصورهم ليستجموا، يصطادوا، ويديروا الدولة من هدوء الصحراء.
فلماذا بنوا القصور هنا تحديداً؟ الجواب بسيط وعبقري:
لأن الزرقاء كانت صحراء قريبة من عمان، غنية بالماء، ومليئة بالغزلان للصيد. قريبة بما يكفي من العاصمة دمشق، وبعيدة بما يكفي عن ضجيجها.
الأمويون لم يبنوا قصراً واحداً، بل بنوا سلسلة من القصور الأسطورية، كل قصر له وظيفة مختلفة تماماً عن الآخر. وما زالت ثلاثة منها تحرس صحراء الزرقاء إلى اليوم:
1. قصر الحلابات: من دير للرهبان إلى قصر للخلفاء
قصة تحول مدهشة. كان في الأصل ديراً رومانياً للرهبان يتعبدون فيه بصمت الصحراء. جاء الأمويون بذوقهم المعماري وحولوه إلى مجمع متكامل: قصر ومسجد ونظام مائي عبقري. كأنهم يقولون: نحن لا نهدم، نحن نبني فوق ما سبقنا. إذا زرته اليوم سترى الحجارة الرومانية تحت، والزخرفة الإسلامية فوقها.
2. قصر الحرانة: الخان الذي خدع العالم
وهنا الخدعة التاريخية الكبرى. كلنا نسميه قصراً، لكنه ليس قصراً أبداً، بل خان للقوافل ومجلس للقاء.
لا يوجد فيه غرف نوم فاخرة ولا حمامات، بل هو مربع ضخم بجدران سميكة تحمي التجار من قطاع الطرق، وفي وسطه ساحة تجتمع فيها القبائل لتحل مشاكلها مع مندوب الخليفة. هو باختصار.. أول "فندق خمس نجوم + قاعة مؤتمرات" في تاريخ الأردن. شكله المهيب من الخارج هو ما جعل الناس يظنونه قصراً.
3. قصر عمرة: التحفة التي صدمت العالم
هذا هو الجوهرة. لو كان للأمويين أن يتركوا تحفة واحدة فقط، لكانت عمرة.
إنه ليس قصراً، بل حمام أموي فاخر، لكن ما بداخله جعله تحفة العالم.
ادخل إليه، وارفع رأسك: ستجد في القبة أول خريطة للسماء في الإسلام، فيها النجوم والأبراج مرسومة بدقة مذهلة قبل أن يعرف العالم التلسكوب.
وانظر حولك على الجدران: ستجد رسوم ملوك الأرض الستة، كسرى الفرس وقيصر الروم وملك الحبشة، وهم يقفون كأنهم يقدّمون الولاء للخليفة الأموي. وفوقهم مشاهد صيد وعارٍ ورقص.. جرأة فنية لم يجرؤ أحد بعدها على تكرارها.
إنه دليل حي أن الدولة الأموية لم تكن دولة حرب فقط، بل كانت دولة فن وعلم وجمال.
الزرقاء في هذا العصر لم تكن صحراء قاحلة كما نتخيلها اليوم، بل كانت مثل الساحل، منتجع حي نابض بالحياة، فيه الأمراء والأدباء والشعراء والرسامون.
هذه القصور ليست مجرد حجارة، هي بطاقة تعريف تقول: نحن الأردنيون، كنا منتجع الخلفاء، وكنا أول من رسم السماء.
















