يوم البيئة العربي .. الأردن يعزز إدارة موارده الطبيعية من حماية البيئة إلى الأمن الوطني
القبة نيوز - يصادف غداً الأربعاء يوم البيئة العربي، في وقت تتزايد فيه أهمية حماية الموارد الطبيعية وإدارتها المستدامة باعتبارها ركيزة أساسية للأمن الوطني وصحة الإنسان واستدامة الاقتصاد والأمنين المائي والغذائي، في ظل تحديات شح المياه ومحدودية الموارد الطبيعية وتداعيات التغير المناخي.
وكان جلالة الملك عبدالله الثاني، قد أكد في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول الماضي، أن أي تهديد للأمن المائي الأردني هو تهديد للأمن الوطني، في تأكيد على المكانة المحورية للمياه ضمن منظومة الأمن الشامل للمملكة، لارتباطها باستدامة الزراعة والإنتاج الغذائي والصحة العامة واستقرار المجتمعات المحلية.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية مضاعفة في الأردن، ما يجعل حماية البيئة وإدارة مواردها مسؤولية وطنية تتجاوز العمل القطاعي إلى صلب التخطيط الاقتصادي والتنموي، وتعزيز قدرة المملكة على الصمود أمام الأزمات والتغيرات المناخية.
ويأتي يوم البيئة العربي هذا العام بوصفه مناسبة لتجديد الالتزام بالانتقال من تشخيص التحديات البيئية إلى تطوير سياسات عملية تعزز كفاءة استخدام الموارد، وتحافظ على التنوع الحيوي، وتحد من التلوث واستنزاف الثروات الطبيعية، وتدمج الاعتبارات البيئية في أولويات التنمية والاستقرار، بما يضمن حماية حقوق الأجيال المقبلة.
وأكد رئيس المركز الوطني للعدالة البيئية، الدكتور محمد عيادات، أن الاهتمام الملكي بالقضايا البيئية يمثل توجهاً استراتيجياً يربط حماية الموارد الطبيعية بأمن الأردن واستقراره ومستقبله التنموي، مشيراً إلى أن المياه والموارد الطبيعية لم تعد ملفات خدمية أو بيئية منفصلة، بل عناصر أساسية في حماية المصالح الوطنية.
وأشار إلى توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني للحكومة، خلال اجتماع عقد في السابع من أيلول الماضي، بإعداد استراتيجية وطنية شاملة وموحدة للتمويل المناخي بالتعاون مع القطاع الخاص، بما يعزز قدرة الأردن على الاستفادة من مصادر التمويل والأدوات المتاحة لخفض الانبعاثات والتكيف مع آثار التغير المناخي، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة على المدى الطويل.
وأضاف إن هذه التوجيهات تؤسس لمسار وطني يتجاوز الاستجابة للضغوط البيئية الراهنة إلى استقطاب الاستثمارات الخضراء، وتطوير الحلول التقنية، وتحويل الالتزامات البيئية إلى فرص اقتصادية وتنموية، بما ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين ويحافظ على استدامة الموارد الطبيعية.
وتشكل استراتيجية وزارة البيئة للأعوام 2026–2029 إطاراً للعمل في مجالات النمو الأخضر والعمل المناخي والإدارة السليمة بيئياً واستدامة النظم البيئية، إلى جانب تعزيز الوعي البيئي وتطوير الأداء المؤسسي، بما يدعم ربط السياسات البيئية بالأولويات الاقتصادية والاجتماعية، شريطة ترجمتها إلى برامج تنفيذية ومؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس والتقييم.
من جهته، قال أستاذ الهندسة البيئية في جامعة الحسين بن طلال، الدكتور محمد سالم الحويطي، إن البيئة لم تعد قضية تقتصر على حماية الأشجار والحد من التلوث، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الوطني وصحة الإنسان واستدامة الاقتصاد والأمنين المائي والغذائي، وقدرة الدول على الصمود أمام الأزمات.
وأضاف إن يوم البيئة العربي ينبغي أن يشكل محطة لمراجعة السياسات البيئية وتقييم نتائجها وطرح حلول قابلة للتطبيق، والانتقال من مفهوم "حماية البيئة" إلى مفهوم أشمل يتمثل في "إدارة رأس المال الطبيعي العربي"، باعتباره جزءاً أصيلاً من الثروة الوطنية والقومية التي تقوم عليها جودة الحياة وفرص النمو.
وأوضح أن المنطقة العربية تواجه منظومة مترابطة من المخاطر البيئية والمناخية، إذ يؤدي ارتفاع درجات الحرارة واختلال أنماط الهطول المطري وتزايد موجات الجفاف والظواهر المناخية المتطرفة إلى زيادة الضغط على الموارد المائية والزراعة والتنوع الحيوي والصحة العامة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء والبنية التحتية.
وأشار إلى أن خطورة هذه التحديات تكمن في آثارها المتسلسلة، إذ لا يقتصر نقص المياه على تراجع الكميات المتاحة، بل يمتد إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الضغط على المياه الجوفية وتدهور الأراضي وتراجع دخل المجتمعات الريفية، وقد يقود إلى تحولات سكانية وهجرات داخلية.
وأضاف إن التصحر يمثل تراجعاً في قدرة الأراضي على الإنتاج وتخزين الكربون ودعم التنوع الحيوي، ما يستدعي اعتماد سياسات متكاملة لمعالجة أسبابه والحد من آثاره البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
وأكد الحويطي أن البيئة أصبحت جزءاً مباشراً من معادلة الأمن الوطني في القرن الـ21، التي ينبغي أن تقوم على خمسة أبعاد متكاملة، هي الأمن المائي والغذائي وأمن الطاقة والأمن الصحي والأمن البيئي والمناخي، بما يضمن التعامل مع المخاطر بوصفها تحديات مترابطة تتطلب استجابات مشتركة.
وشدد على ضرورة تعزيز التعاون البيئي العربي من خلال بناء منظومة مشتركة لتبادل الخبرات والمعلومات والتقنيات وتطوير الحلول المستدامة، والانتقال من التعاون التقليدي القائم على الاجتماعات وتبادل التقارير إلى شراكات تنفيذية في مجال الأمن البيئي والمناخي.
ولفت إلى أن الدول العربية تمتلك مقومات متكاملة يمكن توظيفها في هذا المجال، من خلال القدرات المالية والاستثمارية لدى بعض الدول، والخبرات المتقدمة في تحلية المياه والطاقة الشمسية لدى دول أخرى، إلى جانب الأراضي الزراعية والخبرات في إدارة المياه والتعدين والبحث العلمي، بما يتيح بناء مشاريع مشتركة تعزز كفاءة استخدام الموارد وتدعم الأمن البيئي العربي.
بدوره، قال رئيس اتحاد الجمعيات البيئية، عمر الشوشان، إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التعامل مع البيئة باعتبارها كلفة اقتصادية إلى النظر إليها باعتبارها فرصة للاستثمار والابتكار والتنمية، مؤكداً أهمية تعبئة التمويل المناخي وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة المخاطر البيئية والمناخية.
وأشار إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الصناديق السيادية العربية ومؤسسات التمويل والتنمية في توفير تمويل طويل الأجل للمشاريع التي تعزز المنعة المناخية والبيئية، لا سيما مشاريع الأمن المائي والطاقة النظيفة والبنية التحتية الخضراء والنقل المستدام وإدارة النفايات وحماية النظم البيئية.
وأضاف إن الاستثمار في البنية التحتية القادرة على الصمود أمام آثار التغير المناخي ينبغي أن يتحول إلى أولوية تمويلية عربية، لاسيما أن كلفة الوقاية والاستباق أقل من كلفة الاستجابة للكوارث ومعالجة الأضرار بعد وقوعها، داعياً إلى تطوير أدوات تمويل مبتكرة تجمع بين التمويل السيادي والتنموي والاستثمار الخاص والتمويل المناخي الدولي.
ولفت الشوشان إلى أن الأردن يمتلك ميزة نسبية تتمثل في توافر الخبرات الوطنية والشركات المتخصصة والمؤسسات العلمية، ما يتيح للمملكة فرصة التحول إلى مركز إقليمي للخبرة والحلول البيئية والمناخية، والانتقال من موقع متلقٍ للتمويل إلى شريك فاعل في تطوير المعرفة والتقنيات والخدمات الخضراء.
ويؤكد يوم البيئة العربي أن حماية الموارد الطبيعية لم تعد مسؤولية بيئية منفصلة، بل استثمار استراتيجي في أمن الأردن واستقراره ونموه الاقتصادي، وأن ترجمة السياسات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، وتعزيز الشراكات الوطنية والعربية، وتوجيه التمويل نحو الحلول المستدامة، تمثل ركائز أساسية لبناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات المناخية وحماية حقوق الأجيال المقبلة.
المصدر: بترا
















