الصحفي رفاد العياصرة يكتب *الفصل السادس: جبل النظيف والوحدات والمهاجرين.. عمان
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة
تاريخ تقرأه في الحجر: في المدرج الروماني، في جبل القلعة، في قصور عبدون. وهذا تاريخ يحبه السياح.
وتاريخ تقرأه في الوجع. وهذا تاريخ لا يُكتب إلا في جبل النظيف، والوحدات، والمهاجرين.
هذه الجبال لم تكن على الخريطة عام 1948. كانت تراباً وجبلاً أجرد. ثم جاءها المهاجرين
أهل عمان الأصليين سموها "النظيف" سخرية؟ لا. سموها احتراماً. لأن أهله الذين جاؤوا من المهاحرين، نظفوا حجارتها بأيديهم، حجراً حجراً، وشوكاً شوكاً، وبنوا بيوتهم بليلة واحدة. بيت من زينكو، سقفه من خشب، لكنه نظيف.. نظيف بكرامة أهله.
هنا قانون آخر لا يُدرّس في الجامعات، اسمه "العونة".
إذا قرر جار أن يبني غرفة لابنه الذي سيتزوج، لا يستأجر عمالاً. في الصباح، الحارة كلها عنده. واحد يعجن الإسمنت، وواحدة تعمل شاي على الحطب، والأطفال ينقلون الطوب. في المساء يكون البيت قد قام.
انزل إلى أسواق الوحدات. هنا لا تشتري فقط، هنا تشم . ريحة الفلافل الساخن عند الصباح، ريحة الزعتر البلدي، صوت بياع الخضرة وهو ينادي بلهجة قرى مختلف ابناء الاردن .
وفي الليل، إذا كان هناك عرس في النظيف، فالشارع كله سيسكر. ليست مبالغة. الدبكة تضرب في الأرض فترتجف لمبات الشارع، والصوت يصل إلى آخر الجبل. لأن الفرح هنا جماعي، والحزن جماعي.
هذه الجبال هي التي علمت عمان الباردة، عمان الحجر، معنى كلمة "أهل".
عمان الشرقية ليست عشوائيات كما يسميها البعض في التقارير. عمان الشرقية هي الذاكرة. هي التي احتضنت حين لم يكن هناك مكان يحتضن، وأطعمت حين لم يكن هناك خبز، وحفظت التراث الاردني في عمان حتى لا يضيع.
فإذا أردت أن تعرف عمان الحقيقية، لا تذهب إلى عبدون. اطلع باص الوحدات، وانزل في جبل النظيف، واشرب كاسة شاي عند عجوز هناك.. سيحكي لك عن بلد لم ترها، كأنك عشت فيها.















