facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الصحفي رفاد العياصرة يكتب : الأسطورة التي لا تموت - سيل عمّان والميثولوجيا المدينية

الصحفي رفاد العياصرة يكتب : الأسطورة التي لا تموت  سيل عمّان والميثولوجيا المدينية
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة

المقوم الخامس من مقومات المدينة: الميثولوجيا الحضرية
--------------------:::------------

لا توجد مدينة في العالم بلا أسطورة. المدن ليست شوارع وإسمنت وأرقام بلديات، المدن هي ذاكرة.. هي حكاية يتناقلها الناس همساً.

باريس لها أشباحها تحت الأرض، ولندن لها جاك السفاح في ضبابها، والقاهرة لها جن المقابر.

أما عمّان.. فأسطورتها تسكن تحت قدميك مباشرة.

كل مدينة لها أسطورتها المؤسسة، والأسطورة التي تفسر روح عمّان ليست جبل القلعة ولا رجم الملفوف.. أسطورتها هي السيل.

المتن: النهر الذي خنقوه.. فقرر الانتقام

قبل أن تكون هناك "وسط البلد" وقبل العبدلي وسقف السيل ومجمع رغدان، كان هناك نهر حقيقي، هادر، بري، لا يمكن ترويضه.

كان سيل عمّان نهراً حقيقياً بكل ما للكلمة من معنى. كان يأتي من رأس العين، من عين مياه باردة صافية، ويشق الوادي كله حتى يصب في الزرقاء. على ضفتيه كانت تقوم حياة كاملة: طواحين، بساتين، مقاهي، نساء يغسلن، وأطفال يسبحون، وقوافل تشرب وتستريح.

كان هو عمّان. عمّان كانت هي السيل.

ثم جاءت الحداثة المتعجلة في الستينات والسبعينات، وقررت أن النهر "يعيق التطور". فقرروا قتله. لم يجففوه.. بل طمروه. وضعوا فوقه سقفاً إسمنتياً طويلاً، وحولوه إلى شارع مزدحم للسيارات والبسطات، وسموه بكل بساطة "شارع سقف السيل".

ظنوا أنهم دفنوا نهراً. لكنهم في الحقيقة دفنوا روح المدينة.

ولهذا، فإن أي عماني عتيق، أي رجل عجوز جلس في قهوة فرح في وسط البلد، سيقول لك وهو ينظر إلى الأرض بثقة مرعبة: "السيل برجع.. طول عمره برجع".

هذه ليست جملة عابرة. هذه عقيدة حضرية.

كل شتاء، حين تنزل أول شتوة قوية، وحين تغرق وسط البلد في عشر دقائق، وحين تطفو السيارات وتدخل المياه للمحلات.. لا تقل إنه سوء تصريف أو بنية تحتية. هذا هو السيل ينتقم. يتنفس من تحت السقف، ويثبت أنه ما زال حياً. كل فيضان صغير هو تذكير: أنا هنا.. لم أموت.

والسيل ليس وحده. المدينة التي لها نهر مدفون، لا بد أن يكون لها أشباح أخرى تحرسها:

1. جنية جبل الجوفة: ليست مجرد قصة لتخويف الأطفال. كل بيت قديم في الجوفة والتاج يحكي عن امرأة بشعر طويل تظهر عند المغرب قرب الدرج الحجري، تضحك ثم تختفي.

2. بيت الأشباح في جبل عمّان: الفيلا المهجورة التي كلما بيعت عاد أصحابها يهربون منها بعد أيام. يقولون إنك تسمع فيها أصوات أطفال يلعبون في الداخل رغم أنها خالية منذ 40 سنة.

3. نفق اللويبدة المسكون: النفق القصير الذي يربط الجبلين. كل من مشى فيه وحيداً بعد منتصف الليل، أقسم أنه سمع خطوات خلفه.. وحين التفت، لم يجد أحداً.

هذه ليست خرافات.. هذه هي الميثولوجيا التي تجعل من عمّان مدينة حية، لا مجرد خارطة. المدينة بلا خرافات هي مدينة ميتة، وعمّان لن تموت، لأن سيلها تحتها ما زال يجري.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير