facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الصحفي رفاد العياصرة يكتب الفصل الأول من كتاب: أخلاق الناس على الأسفلت

الصحفي رفاد العياصرة يكتب الفصل الأول من كتاب: أخلاق الناس على الأسفلت
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة

قالت العرب قديماً: سافر معه تعرفه. وقد كان السفر في ذلك الزمان كاشفاً للطباع، لأنه كان طويلاً وشاقاً، يكشف الصبر من الجزع، والكرم من الشح.

أما في زماننا، فقد أصبح السفر مريحاً ومكيفاً، ولم يعد يكشف شيئاً كثيراً.

وقد ظهر في هذا العصر مختبر جديد، أصدق وأسرع، يكشف الإنسان في خمس دقائق.
ذلك المختبر هو الشارع.
دع الإنسان يقود سيارته، أو أوقفه في طابور، وسوف تعرف حقيقته. فالشارع هو المختبر الأخلاقي الوحيد الذي يستحيل فيه التمثيل.
يستطيع الإنسان أن يمثل الالتزام في عمله، وأن يمثل المثالية على مواقع التواصل، لكنه لا يستطيع أن يمثل الصبر وهو ينتظر إشارة مرور طويلة في شدة الحر، ولا يستطيع أن يمثل التواضع وهو يقود سيارة كبيرة ويظن أن الطريق ملك له وحده.
في الشارع، يتعامل المرء مع وقته، ومع حق غيره، ومع القانون حين لا يراه أحد. ولهذا فإن الشارع يكشف ما تخفيه المجالس.
السيارة لا تغير الأخلاق بل تكشفها
يظن كثير من الناس أن السيارة تغير أخلاق صاحبها، والصحيح أنها لا تغيرها، بل تكشفها وتكبرها. السيارة عدسة مكبرة، تظهر ما هو موجود في الداخل.
فالإنسان الحريص في حياته، يظهر حرصه في قيادته، فلا يمنح الطريق بسهولة، ويتعامل مع كل متر كأنه شيء ثمين يجب ألا يفرط فيه.

والإنسان الذي اعتاد أن يرى نفسه فوق الآخرين، يظهر ذلك خلف المقود، فلا يسمح لأحد بتجاوزه، ويسير ببطء في المسار السريع، ويعتبر أن تجاوز الآخرين له انتقاص من قدره.

والإنسان المنضبط المحترم، يبقى محترماً حتى وإن كان مستعجلاً ومتأخراً عن عمله. فهو يعطي الطريق، ويستخدم إشارة الانعطاف لينبه من خلفه، ويتوقف للمشاة ليعبروا، ولا يلقي شيئاً من نافذة سيارته. احترامه للقانون لا يرتبط بوجود شرطي أو كاميرا، بل ينبع من داخله.
وهناك نموذج آخر يظهر بوضوح، وهو سلوك الأزعر.. الارعن.. خلف المقود. فهو في حياته العادية قد يكون هادئاً لا يرفع صوته، فإذا جلس خلف المقود وأغلق النوافذ، شعر بقوة مؤقتة مصدرها الحديد الذي يحيط به، فيبدأ بالصراخ والشتم، لأنه يشعر بالأمان داخل مركبته، فإذا نزل منها عاد إلى هدوئه.

وخلاصة القول، أننا حين نقود، لا نقود سيارات من حديد وبلاستيك فحسب، بل نقود ما تربينا عليه في بيوتنا، ونقود فهمنا لحقوق الآخرين، ونقود احترامنا للنظام.

إن طريقة قيادتك هي سيرتك الأخلاقية وهي تسير على الأسفلت.

تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير