facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الصحفي رفاد العياصرة يكتب : جرش: العصر الأموي والإسلامي المبكر - الازدهار الأخير

الصحفي رفاد العياصرة يكتب : جرش: العصر الأموي والإسلامي المبكر  الازدهار الأخير
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة 


: المدينة التي ماتت مرتين ثم عادت للحياة مرة ثالثة

كل المدن تموت مرة واحدة. جرش وحدها ماتت مرتين.

ماتت أول مرة عندما تركها الرومان وهجرها البيزنطيون، فأصبحت مدينة كنائس فارغة، تنتظر من يطرق بابها.

ثم جاءها من لم تكن تتوقعه. لم يأتِها جيشٌ يريد هدم كنائسها، بل جاءها جيشٌ يقول لها: افتحي أبوابك، لكِ ما لنا وعليكِ ما علينا.

في سنة 635 م، كانت جرش على موعدٍ مع قدرٍ جديد. قدرٌ لم يمحُ تاريخها الروماني والبيزنطي، بل أضاف عليه طبقةً ثالثةً، هي أجمل طبقاتها وأكثرها ظلماً في كتب التاريخ.

لقد ظلمنا العصر الإسلامي في جرش. المرشد السياحي يقضي ساعتين يشرح لك معبد أرتميس، وعشر دقائق يمر مرور الكرام على المسجد الأموي. مع أن هذا المسجد هو الدليل على أن جرش لم تكن مدينة وثنية ماتت، بل كانت مدينة مسلمة عاشت وازدهرت 120 سنة أخرى بعد الفتح.
هذا الفصل هو عن الازدهار الأخير. عن كيف عادت جرش لتكون مركزاً تجارياً عالمياً في عهد بني أمية، قبل أن تأتيها ضربةٌ من تحت الأرض، لا من فوقها، ضربةٌ دفنتها 1100 سنة كاملة تحت التراب، حتى جاء الشركس ليوقظوها.

#1- الفتح الإسلامي ومسجد جرش الأموي - فتحٌ بلا هدم

فتحت جرش سنة 13 هـ / 635 م، على يد القائد شرحبيل بن حسنة، ضمن فتوحات إقليم الأردن بعد معركة اليرموك.

ولم يحدث ما يظنه الناس من معركةٍ ضخمة. أهل جرش البيزنطيون المتعبون من الضرائب والزلازل، فتحوا أبوابهم صلحاً. عقدوا اتفاقاً مشهوراً: يدفعون الجزية، ويحتفظون بكنائسهم وصلبانهم، ولا يُهدم لهم معبد.

والدليل على تسامح الفتح هو المسجد الأموي نفسه.

هذا المسجد الذي اكتشفه علماء الآثار سنة 2002، هو مفاجأة تاريخية. لم يبنِه المسلمون فوق كنيسةٍ ليمحوها كما فعل البيزنطيون فوق المعابد الوثنية. بل بنوه في قلب المدينة التجارية، في منطقةٍ فارغةٍ بين المعابد، احتراماً لمشاعر المسيحيين الذين كانوا ما زالوا نصف سكانها.

مساحته 800 متر مربع، يتسع لـ 1500 مصلٍ، محرابه لا يزال واضحاً باتجاه مكة، وأرضيته من الرخام الأبيض المجلوب من نفس مقالع الرومان. كان له مئذنةٌ مربعةٌ على الطراز الأموي الدمشقي، تشبه مئذنة الجامع الأموي في دمشق.

هذا المسجد يقول لك جملة واحدة: المسلمون لم يأتوا ليمحوا جرش الرومانية، جاءوا ليكملوها. فصلوا فيها وبجانبهم جرس الكنيسة يقرع. وهذا هو أصل جرش الحقيقي: مدينة تعايش، لا مدينة صراع.

#### 2- جرش كمركز تجاري أموي مهم - دمشق على طريق الحج

لماذا اهتم الأمويون بجرش؟ وعاصمتهم دمشق بعيدة؟

لأن جرش كانت هي محطة الـ VIP على أهم طريقٍ في العالم الإسلامي آنذاك: طريق الحج والتجارة من دمشق إلى مكة والمدينة.

القوافل التي تخرج من دمشق محملة بالحرير والسلاح، لا بد أن تمر بجرش لتستريح، لتأكل، لتشرب من نهر الذهب، لتصلح عجلاتها.

فأعاد الأمويون إحياء جرش كمركزٍ صناعيٍ وتجاريٍ خطير:

أولاً: صناعة الفخار والسكر. اكتشف علماء الآثار أفراناً أموية ضخمة في جرش لصناعة السكر الأبيض. جرش كانت مثل مصفاة سكر للإمبراطورية. قصب السكر يزرع في غور الأردن، ويكرر ويصفى في جرش، ويصدر إلى دمشق وبغداد.

ثانياً: سوق الذهب. الذهب الذي كان يأتي من الحجاز، كان يصاغ في جرش. وجدوا ورش ذهبٍ أموية كاملة.

ثالثاً: العملة. وجدوا في جرش داراً لسك النقود الأموية. هذا يعني أن جرش لم تكن قرية، كانت مدينة لها بنكها المركزي.

في العصر الأموي، عادت الأموال لتجري في شوارع جرش. التجار عادوا. البيوت التي هجرت في العصر البيزنطي، رُممت وسكنت من جديد. جرش عاشت ازدهارها الثاني والأخير، لكن هذه المرة بعمامةٍ بيضاء ولسانٍ عربي.

#### 3- زلزال 749 المدمر - الضربة القاضية التي دفنت المدينة

ثم جاءت النهاية. ليس من عدوٍ، بل من الأرض نفسها.

في 18 كانون الثاني سنة 749 م / 132 هـ، في الساعة الرابعة فجراً، ضرب شرق المتوسط زلزالٌ مدمرٌ قوته 7.5 على مقياس ريختر، مركزه في طبريا وبيسان وجرش.

ماذا فعل بجرش؟

لم يكن زلزالاً عادياً، كان زلزالاً يبتلع المدن. الأعمدة الرومانية التي صمدت 600 سنة، سقطت مرة واحدة كأعواد الكبريت. الكنائس الثمانية عشر، انهارت أسقفها على المصلين. المسجد الأموي، انهارت مئذنته وقتلت كل من كان يصلي الفجر فيه.

والأخطر: نهر الذهب غير مجراه، والسد الروماني الذي كان يحمي المدينة من السيول، انكسر، فجاءت سيول الشتاء وحملت الطين والرمل ودفنت المدينة المدمرة تحت 2 إلى 4 أمتار من الطمي.

جرش لم تعد قابلة للسكن. من بقي حياً منها هرب إلى قرى صغيرة بجانبها مثل سوف وريمون. وبقيت المدينة العظيمة، مدينة الألف عمود، مدفونةً تحت التراب، منسيةً تماماً، لمدة 1057 سنة.

من سنة 749 م إلى سنة 1806 م، لم يكن يعرف أحد أن هنا مدينة اسمها جرش. كان البدو يمرون فوقها ويظنون أن هذه التلال هي تلال طبيعية، وليست أعمدة مدفونة.

لقد دفنت الأرض جرش لكي تحفظها. لو بقيت ظاهرة، لكان البشر سرقوا حجارتها وبنوا بها بيوتهم كما فعلوا بمدنٍ أخرى. لكن الطين حفظها لنا كاملةً، حتى جاء الرحالة الألماني أولريش زيتسن سنة 1806 ليكتشفها صدفةً ويصرخ: وجدت مدينة رومانية كاملة تحت الأرض.

وهكذا ماتت جرش موتها الثاني، لتنتظر ولادتها الثالثة على يد الشركس.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير