الفيبروميالجيا.. أوجاع لا ترى ومرضى ينتظرون من يصدقهم
القبة نيوز- - تستيقظ صباحا وكل مكان في جسدك يؤلمك. لا سبب واضح، لا كسر، لا جرح، لا التهاب ظاهر تستطيع أن تثبته. تذهب إلى الطبيب فيقول لك "إن نتائجك طبيعية". تذهب إلى آخر، فيقول "ربما من التوتر والقلق".
وبعد أعوام من التنقل بين العيادات، واتهامات من أقرب الناس بالدلع والمبالغة، تجلس في غرفتك وحيدا تتساءل "هل الألم في رأسي فعلا أم في جسدي؟".
هذا ليس سيناريو متخيلا، بل ما يعيشه كثيرون من المصابين بمرض الفيبروميالجيا حول العالم كل يوم، في صمت مرهق وبحث لا ينتهي عن إجابة.
في الثاني عشر من مايو من كل عام، الذي اعتمد منذ عام 1992 يوما دوليا للتوعية بهذا المرض، تكريما لذكرى ميلاد فلورنس نايتينغل، مؤسسة علم التمريض الحديث، والتي عانت أعواما من ألم العضل الليفي "الفايبروميالجيا"، يرتدي الملايين اللون البنفسجي تضامنا مع من يحملون هذا الثقل غير المرئي.
ألم منتشر في كامل الجسم
ويؤكد اختصاصيون في علم الأعصاب أن الفيبروميالجيا مرض مزمن يصيب الجهاز العصبي المركزي، ويتسبب بألم منتشر في كامل الجسم، مصحوبا بإرهاق عميق لا تفسره قيلولة ولا نوم، إضافة إلى اضطرابات في التركيز والذاكرة، تعرف بـ"ضباب الدماغ".
وفقا للكلية الأميركية لأمراض الروماتيزم، في تحديثها الصادر عام 2025، فإن المرض ليس التهابيا ولا مناعيا ذاتيا، بل هو اضطراب في طريقة معالجة الألم داخل الجهاز العصبي، إذ تختل توازنات مواد كيميائية في الدماغ، مثل السيروتونين والنورإبينيفرين، فتتغير طريقة استجابة الجسم للمؤلمات.
وتشير الدراسات إلى أن ما بين 3 و6 % من سكان العالم يصابون به، لكن النساء يشكلن النسبة الأكبر، إذ تتراوح نسبتهن بين 75 و90 % من مجموع المرضى.
ليلى، (34 عاما)، أمضت سبعة أعوام تتنقل بين العيادات وهي تحمل ملفا سميكا من نتائج الفحوصات، كلها تقول الشيء ذاته "ضمن الحدود الطبيعية".
تشخيص قد يستغرق خمسة أعوام
وتقول "كنت أمشي إلى العيادة وأنا أدعو الله أن يجد الطبيب شيئا في الفحوصات، أي شيء، لأن لا شيء يعني أنني أبالغ". هذه المعاناة موثقة ومتكررة، إذ يبلغ متوسط الوقت الذي يستغرقه المريض للوصول إلى تشخيص صحيح خمسة أعوام كاملة، وفقا لإحصاءات MoreGoodDays المستندة إلى مراكز CDC وNHS.
أما سارة، (41 عاما)، فتعيش بعدا آخر من المعاناة. وتحدثت طويلا عن الفارق الذي صنعه لجوؤها لأول مرة إلى طبيبة بدلا من طبيب، قائلة "لم تسألني كيف أشعر، سألتني كيف أعيش، وكان هذا فارقا في حالتي النفسية".
وهذا الفارق ليس مصادفة، فدراسة نشرت عام 2024 في المجلة الدولية لأمراض الروماتيزم بعنوان "Epidemiology of Fibromyalgia: East Versus West"، كشفت أن ألم المرأة تاريخيا يؤخذ بجدية أقل في الممارسة الطبية، وهو ما أخر الاعتراف الرسمي بالمرض عقودا.
90 % من المرضى يعانون اضطرابات بالنوم
ولا يقتصر هذا المرض على النساء، فـ خالد (29 عاما)، يصف صباحه بطريقة لن تجدها في أي كتاب طبي، فيقول "أبقى دقيقتين قبل أن أقوم من السرير، هاتان الدقيقتان ليستا كسلا، إنهما اختبار سريع لما سيكون عليه الجسد اليوم".
المصابون بالفيبروميالجيا يعيشون ضمن نظام طاقة محدودة، يعرف بينهم بـ"نظرية الملاعق"، حيث لكل نشاط ثمنه من الطاقة، فالاستحمام مثلا يساوي ملعقة، والتسوق ملعقتين، واجتماع العمل ثلاث ملاعق، وحين تنفد الملاعق قبل الظهر لا يوجد شحن سريع.
ووفقا لإحصاءات MoreGoodDays، فإن 90 % من المرضى يعانون من اضطرابات في النوم، و80 % من إرهاق مزمن، و50 % من مشكلات في الذاكرة والتركيز. ويقول خالد بمرارة "الناس يقولون لي إنك تبدو بخير، وأنا أريد أن أقول لهم: هذا بالضبط هو المشكلة".
هذا الألم غير المرئي يمتد ليطال كل علاقة حول المريض، فنور تصف كيف تحول زوجها ببطء من شريك إلى مقدم رعاية، من دون أن يختار ذلك أو يتهيأ له.
وتؤكد أن الشعور بالذنب أصعب من الألم، فإدراكها أنها أثرت على حياة شخص تحبه، شخص لم يختر هذا، لكنه بقي، أمر ينهكها أكثر. وعندما تشعر أنها بخير وأن الهجمات خفت قليلا، تحاول تعويضه عن كل شيء.
المعاناة مع هذا المرض مزمنة
وعلى الصعيد العلاجي والطبي، يؤكد اختصاصي أمراض العظام والروماتيزم الدكتور وسيم صالح، أن من أهم أسباب مرض الفيبروميالجيا التوتر أو الـStress، كالتعرض لصدمة عصبية أو عاطفية، أو وفاة أحد الأقارب، أو التعرض لحادث سير، أو المرور بعدة محطات قاسية من الضغط النفسي.
أما بالنسبة للعمر، فيبين أن المرض قد يبدأ منذ سن المراهقة، مشيرا إلى وجود دراسات تربطه بإصابة النساء أكثر بسبب الهرمونات والحمل والولادة، إلى جانب الطبيعة العاطفية لدى المرأة، فيما تشير دراسات أخرى إلى أنه منتشر أيضا بين الرجال، لكنهم يحاولون إخفاء مشاعرهم وآلامهم.
ويؤكد أن المعاناة مع هذا المرض مزمنة، كما يوحي اسمه، لكن الأعراض تخف كثيرا لدى الملتزمين بالعلاجات وتغيير نمط الحياة، بحيث تصبح الأعراض أخف وتصبح الهجمات متباعدة.
أعراض المرض تظهر على شكل هجمات
ويبين الدكتور أن أعراض المرض متعددة، وتظهر على شكل هجمات، منها الصداع المتكرر، وآلام في مختلف العضلات والمفاصل، حيث توجد نقاط ثابتة للألم وأخرى متغيرة، مع وجود خدران وتنميل وحساسية شديدة للمس، إضافة إلى مشكلات في المعدة والقولون، وفي الحالات الشديدة جدا قد يؤثر المرض على المشي.
ويوضح صالح أن التشخيص يتم من خلال الفحص السريري، إلى جانب إجراء فحوصات مخبرية وشعاعية للتأكد من عدم وجود أمراض أخرى. أما العلاج، فيفضل دائما الاعتماد على الغذاء الصحي، والابتعاد عن القمح والغلوتين، وتقليل السكر والابتعاد عن الأطعمة غير الصحية والوجبات السريعة، إلى جانب الابتعاد عن الضغط النفسي والتوتر.
وينصح بالتسجيل في ناد رياضي وممارسة السباحة وتمارين الأكوا واليوغا والبيلاتس، مع اختلاف الفائدة من مريض إلى آخر.
التمارين الرياضية العلاج الأكثر فاعلية
ويشدد على أهمية إجراء فحوصات دورية للفيتامينات والحديد، مبينا أن العلاجات الدوائية تتراوح بين المسكنات الخفيفة والقوية، لكن ليس بشكل مستمر، إلى جانب علاجات الأعشاب المناسبة للمريض، وفي بعض الحالات يتم اللجوء إلى أدوية الأعصاب.
وتؤكد الكلية الأميركية لأمراض الروماتيزم أن التمارين الرياضية تعد العلاج الأكثر فاعلية، وأن اليوغا والتاي تشي والمشي بانتظام تحدث فارقا حقيقيا، كما تتوافر أربعة أدوية معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية يمكن أن تخفف الأعراض، رغم عدم وجود علاج نهائي حتى الآن.
وفي الثاني عشر من مايو، لا يطلب أصحاب اللون البنفسجي الشفقة ممن حولهم، بل يطلبون فقط أن يصدقهم الآخرون















