النص الكامل لأول رسالة من مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد
القبة نيوز- وجه المرشد الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، الأربعاء، رسالته الأولى منذ توليه منصب المرشد الأعلى الجديد لإيران خلفا لوالده علي خامنئي، دون الظهور علانية، إذ قرأ الرسالة مذيع على التلفزيون الإيراني.
ولم يظهر مجتبى خامنئي علنًا منذ مقتل والده في اليوم الأول من حملة القصف الأمريكية-الإسرائيلية في 28 فبراير الماضي. وهو اليوم الذي أصيب فيه أيضا مجتبى بكسر في قدمه وكدمة في العين وجروح طفيفة أخرى بالوجه، بحسب ما أكدته مصادر مطلعة لشبكة CNN.
وفيما يلي النص الكامل لأول رسالة من مجتبى خامنئي بحسب ما نقلته وكالات الأنباء الإيرانية:
السلام عليك يا داعي الله وربّانيَّ آياته، السلام عليك يا باب الله وديّان دينه، السلام عليك يا خليفة الله وناصر حقّه، السلام عليك يا حجّة الله ودليل إرادته؛ السلام عليك أيها المقدَّم المأمول؛ السلام عليك بجوامع السلام؛ السلام عليك يا مولاي صاحب الزمان.
في مستهل كلمتي، أتقدّم إلى مولاي صاحب العصر والزمان بأحرّ التعازي بمناسبة الاستشهاد المفجع للقائد الجليل للثورة، الخامنئي العزيز الحكيم، سائلاً منه الدعاء بالخير لكل فرد من أبناء الشعب الإيراني العظيم، بل لجميع المسلمين في العالم، ولكل خَدَمة الإسلام والثورة، وللمضحّين وذوي شهداء النهضة الإسلامية، ولا سيما شهداء الحرب الأخيرة، وكذلك لنفسي القاصرة.
إلى الشعب الإيراني
أما الجزء الثاني من كلمتي فهو موجّه إلى الشعب الإيراني العظيم. وفي البداية أجد لزاماً عليّ أن أبيّن بإيجاز موقفي من تصويت مجلس خبراء القيادة الموقّر. لقد علم هذا الخادم لكم، السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، بنتيجة تصويت مجلس خبراء القيادة في الوقت نفسه الذي علمتم به أنتم، ومن خلال شاشة هيئة الإذاعة والتلفزيون في الجمهورية الإسلامية.
إن الجلوس في المكان الذي كان مقعداً لقيادة اثنين من العظماء، الإمام الخميني الكبير والشهيد الخامنئي، مهمة شاقة بالنسبة لي. فهذه السدة شهدت جلوس شخصية تحوّلت، بعد أكثر من ستين عاماً من الجهاد في سبيل الله والتخلي عن مختلف مظاهر اللذة والراحة، إلى جوهرة متألقة وشخصية فريدة ليس في عصرنا الحاضر فحسب، بل في تاريخ حكّام هذا البلد. لقد امتزجت حياته وكذلك طريقة رحيله بهيبة وعزة نابعة من الاتكاء على الحق.
وقد حظيت بشرف زيارة جثمانه بعد استشهاده؛ فما رأيته كان جبلاً من الصلابة، وسمعت أن قبضته السليمة كانت مشدودة. أما بشأن مختلف أبعاد شخصيته، فعلى أهل الاختصاص أن يتحدثوا طويلاً. وفي هذه المناسبة أكتفي بهذا القدر الموجز، وأترك التفاصيل لفرص أخرى مناسبة. وهذا هو السبب في صعوبة تولّي موقع القيادة بعد شخصية كهذه؛ ولا يمكن سدّ هذه الفجوة إلا بالاستعانة بالله تعالى وبمساندتكم أنتم أبناء الشعب.
وفي السياق نفسه، أرى من الضروري التأكيد على نقطة ترتبط مباشرة بجوهر حديثي، وهي أن من بين فنون القائد الشهيد وسلفه الجليل إدخال الشعب في جميع الميادين، وتوعيته وبث البصيرة فيه باستمرار، والاعتماد عملياً على قوته. وبهذا جسّدا المعنى الحقيقي للجمهور والجمهورية، وكانا يؤمنان بذلك من أعماق القلب.
وقد ظهر الأثر الواضح لذلك خلال الأيام القليلة الماضية التي كانت البلاد فيها من دون قائد ومن دون قائد أعلى للقوات المسلحة. فقد أظهرت بصيرة الشعب الإيراني العظيم ووعيه في الحدث الأخير، إلى جانب صموده وشجاعته وحضوره، ما دفع الأصدقاء إلى الإعجاب والأعداء إلى الدهشة. أنتم، أيها الشعب، من قاد البلاد وضَمِن قوتها واقتدارها.
إن الآية التي استُهلّ بها هذا النص تعني أنه لا توجد آية من آيات الله تنقضي مدتها أو تُنسى إلا ويأتي الله جلّ وعلا بما يماثلها أو بما هو خير منها.
وليس المقصود من الاستشهاد بهذه الآية الكريمة أن هذا العبد في مستوى القائد الشهيد، فضلاً عن أن يُفترض أنه أفضل منه؛ بل إن الغاية من ذكرها هي لفت الانتباه إلى دوركم الجوهري والبارز، أيها الشعب العزيز. فإذا حُرمنا من تلك النعمة العظمى، فقد مُنح هذا النظام مرة أخرى حضور الشعب الإيراني بروح عمّاريّة.
واعلموا أن قوتكم إن لم تتجسّد في الساحة، فلن تكون للقيادة ولا لأي من المؤسسات المختلفة – التي تتمثل وظيفتها الحقيقية في خدمة الناس – الكفاءة المطلوبة.
ولكي يتحقق هذا المعنى بصورة أفضل، ينبغي أولاً النظر إلى ذكر الله تبارك وتعالى، والتوكل عليه، والتوسل بأنوار المعصومين الطاهرين (عليهم السلام)، بوصفها الإكسير الأعظم والكبريت الأحمر الذي يضمن مختلف أبواب الفرج والنصر الحتمي على العدو. وهذه ميزة عظيمة أنتم تمتلكونها فيما يفتقدها أعداؤكم.
وثانياً، يجب الحفاظ على الوحدة بين مختلف أبناء وفئات الشعب، وهي الوحدة التي تتجلّى عادة بصورة أوضح في أوقات الشدّة، وألا يُسمح بأي خدش لها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال التغاضي عن نقاط الخلاف.
ثالثاً، يجب الحفاظ على الحضور المؤثر في الساحة؛ سواء بالشكل الذي أظهرتموه خلال هذه الأيام والليالي من الحرب، أو من خلال مختلف أدوار التأثير في الميادين الاجتماعية والسياسية والتربوية والثقافية وحتى الأمنية. والمهم هو إدراك الدور الصحيح، من دون الإضرار بالوحدة الاجتماعية، والعمل على تنفيذه قدر الإمكان. ومن مهام القيادة وبعض المسؤولين الآخرين التنبيه إلى بعض هذه الأدوار لمختلف أفراد المجتمع أو فئاته. ومن هذا المنطلق أذكّر بأهمية المشاركة في مراسم يوم القدس لعام 1447هـ، حيث ينبغي أن يحظى عنصر كسر شوكة العدو باهتمام الجميع.
رابعاً، لا تتوانوا عن مساعدة بعضكم بعضاً. فبحمد الله لم تكن هذه الخصلة غائبة عن غالبية الإيرانيين في أي وقت، ومن المتوقع أن تتجلى بصورة أوضح في هذه الأيام الخاصة التي تمرّ فيها بعض فئات الشعب بظروف أشد قسوة من غيرها. وفي هذا السياق أطلب من الأجهزة الخدمية ألا تدّخر جهداً في تقديم العون والمساندة لتلك الفئات العزيزة من أبناء الشعب، وكذلك للهياكل الشعبية الإغاثية.
وإذا روعيت هذه الجوانب، فإن طريق وصولكم أيها الشعب العزيز إلى أيام العظمة والازدهار سيكون ممهداً. وأقرب مصاديق ذلك – بإذن الله – يمكن أن يكون تحقيق النصر على العدو في الحرب الجارية.
شكر للمقاتلين الإيرانيين و"جبهة المقاومة"
أما الجزء الثالث من كلمتي فيتمثل في توجيه الشكر الصادق لمجاهدينا الشجعان الذين، في وقت تعرّضت فيه أمتنا ووطننا العزيز لعدوان ظالم من قادة جبهة الاستكبار، تمكنوا بضرباتهم القوية من سدّ الطريق أمام العدو وإخراجه من وهم إمكانية السيطرة على وطننا العزيز أو حتى التفكير في تفتيته.
أيها الإخوة المقاتلون الأعزاء، إن مطلب الجماهير الشعبية هو مواصلة الدفاع المؤثر والرادع الذي يورث العدو الندم. كما ينبغي بالتأكيد الاستمرار في استخدام ورقة إغلاق مضيق هرمز. وقد جرت دراسات بشأن فتح جبهات أخرى يفتقر العدو فيها إلى الخبرة الكافية وسيكون فيها شديد الهشاشة، وسيجري تفعيلها في حال استمرار الوضع الحربي وبما يراعي المصلحة.
كما أتوجه بالشكر الصادق إلى مجاهدي جبهة المقاومة. فنحن نعدّ دول هذه الجبهة أفضل أصدقائنا، ونعتبر قضية المقاومة وجبهة المقاومة جزءاً لا يتجزأ من قيم الثورة الإسلامية. ولا شك أن تضافر مكوّنات هذه الجبهة مع بعضها بعضاً سيقصّر الطريق للخلاص من الفتنة الصهيونية؛ وقد رأينا كيف لم يتخلّ اليمن الشجاع والمؤمن عن الدفاع عن الشعب المظلوم في غزة، وكيف بادر حزب الله المضحي، رغم كل العوائق، إلى مؤازرة الجمهورية الإسلامية، كما اتخذت مقاومة العراق هذا النهج بشجاعة.
وعود للمتضررين من الحرب
أما الجزء الرابع من حديثي فهو موجّه إلى أولئك الذين تضرروا خلال الأيام القليلة الماضية. سواء الذين فقدوا عزيزاً أو أعزاء في الشهادة، أو الذين أصيبوا بجروح، أو من لحقت أضرار بمنازلهم وممتلكاتهم أو أماكن عملهم. وفي هذا السياق، أعرب أولاً عن تعاطفي العميق مع ذوي الشهداء الكرام. وينبع هذا من تجربة مشتركة تجمعني مع هؤلاء الأعزاء؛ فإلى جانب والدي – الذي أصبح فقدانه مصاباً عاماً – ودّعت إلى قافلة الشهداء زوجتي العزيزة الوفية التي كنت أعقد عليها الآمال، وأختي المضحية التي كرّست حياتها لخدمة والديها ونالت في النهاية جزاءها، وكذلك طفلها الصغير، فضلاً عن زوج أختي الأخرى الذي كان إنساناً عالماً شريفاً. غير أن ما يجعل الصبر على المصائب ممكناً بل سهلاً، هو التذكّر الدائم للوعد الإلهي الحتمي بالأجر العظيم للصابرين. لذا ينبغي التحلّي بالصبر والتعلّق بالأمل والثقة بعون الله تعالى.
ثانياً، أؤكد للجميع أننا لن نتخلى عن الثأر لدماء شهدائكم. فالانتقام الذي نقصده لا يقتصر على استشهاد القائد الجليل للثورة، بل إن كل فرد من أبناء الشعب يسقط شهيداً على يد العدو يشكّل قضية مستقلة في ملف الانتقام. وقد تحقق حتى الآن جزء محدود من هذا الانتقام على أرض الواقع، غير أن هذا الملف سيظل مفتوحاً إلى أن يتحقق بالكامل، وسنولي حساسية أكبر خصوصاً لدماء أطفالنا. ومن هنا فإن الجريمة التي ارتكبها العدو عمداً بحق مدرسة شجرة طيبة في ميناب وبعض الحوادث المماثلة تحظى بأهمية خاصة في هذا المسار.
ثالثاً، يجب أن يحصل جرحى هذه الهجمات على خدمات علاجية مناسبة وبشكل مجاني، إضافة إلى الاستفادة من بعض المزايا الأخرى.
رابعاً، ينبغي – في حدود ما تسمح به الظروف الراهنة – اتخاذ إجراءات كافية ومحددة لتنفيذ تعويض الخسائر المالية التي لحقت بالممتلكات والأماكن الخاصة. ويُعدّ الأمران الأخيران بمثابة تكليف واجب التنفيذ على المسؤولين المعنيين، وعليهم تطبيقهما ورفع تقرير بذلك إليّ.
وأشير إلى نقطة ينبغي التنبيه إليها، وهي أننا سنطالب العدو، على أي حال، بدفع تعويضات. وإذا امتنع عن ذلك فسنأخذ من ممتلكاته بالقدر الذي نراه مناسباً، وإذا لم يتيسر ذلك فسنقوم بتدمير ما يعادلها من ممتلكاته.
دول الجوار
أما الجزء الخامس من كلمتي فهو موجّه إلى قادة وبعض المستويات المؤثرة في عدد من دول المنطقة. فنحن نتقاسم حدوداً برية أو بحرية مع خمسة عشر بلداً، وقد كنا دائماً وما زلنا حريصين على إقامة علاقات ودية وبنّاءة مع جميع هذه الدول. غير أن العدو عمد منذ سنوات إلى إنشاء قواعد، عسكرية ومالية، في بعض هذه البلدان بهدف ترسيخ هيمنته على المنطقة.
وخلال الهجوم الأخير استُخدمت بعض هذه القواعد العسكرية، ولذلك قمنا – كما حذّرنا صراحة من قبل – باستهداف تلك القواعد فقط، من دون التعرض لتلك الدول نفسها. ومن الآن فصاعداً سنضطر إلى مواصلة هذا النهج، رغم تمسكنا بضرورة الحفاظ على علاقات الصداقة مع جيراننا. وعلى هذه الدول أن تحدد موقفها بوضوح من المعتدين على وطننا العزيز ومن قتلة أبناء شعبنا. وأنصحها بإغلاق تلك القواعد في أقرب وقت ممكن، إذ من المفترض أنها أدركت حتى الآن أن ادعاءات أمريكا بشأن إرساء الأمن والسلام لم تكن سوى أكاذيب.
ومن شأن ذلك أن يعزز صلاتها بشعوبها التي يبدي معظمها استياءً من الاصطفاف إلى جانب جبهة الكفر ومن سلوكها المتعالي، كما سيزيد من ثروتها وقوتها. وأكرر مجدداً أن نظام الجمهورية الإسلامية، من دون أن يسعى إلى فرض الهيمنة أو الاستعمار في المنطقة، مستعد تماماً لإقامة علاقات قائمة على الاتحاد والتعاون الودي والصادق مع جميع جيرانه.
علي خامنئي
وفي الجزء السادس من كلمتي، أتوجه بالحديث إلى قائدنا الشهيد. أيها القائد، لقد ترك رحيلكم جرحاً عميقاً في قلوب الجميع. لقد كنتم تتطلعون دائماً إلى هذه الخاتمة حتى منّ الله تعالى بها عليكم صباح اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك وأنتم تتلون القرآن الكريم. لقد تحملتم مظلوميات كثيرة بثبات واقتدار وبحلم عظيم من دون أن يتغير تعبير وجهكم. وكثيرون لم يدركوا قدركم الحقيقي، وربما تمضي سنوات قبل أن تنقشع الحجب والعوائق وتتكشف بعض جوانب شخصيتكم.
نرجو، بما حظيتم به من مقام قرب في جوار الأنوار الطاهرة والصديقين والشهداء والأولياء، أن تواصلوا الاهتمام بتقدم هذا الشعب وسائر شعوب جبهة المقاومة وأن تدعوا لهم، كما كنتم تفعلون في حياتكم الدنيوية. ونحن نعاهدكم أن نبذل كل ما في وسعنا من أجل رفع هذه الراية، راية جبهة الحق، والسعي لتحقيق المقاصد السامية التي نذرتم أنفسكم لها.
البيعة
وفي الجزء السابع، أتقدم بالشكر إلى جميع الشخصيات الكريمة التي أبدت دعمها لي، ومن بينهم المراجع العظام وشخصيات ثقافية وسياسية واجتماعية مختلفة، وكذلك أبناء الشعب الذين شاركوا في تجمعات حاشدة للتعبير عن تجديد البيعة للنظام، كما أشكر مسؤولي السلطات الثلاث ومجلس القيادة المؤقت على حسن تدبيرهم وإجراءاتهم.
وآمل أن تشمل العنايات الإلهية الخاصة في هذه الساعات والأيام المباركة جميع أبناء الشعب الإيراني، بل وجميع المسلمين والمستضعفين في العالم.
وفي الختام، أسأل مولانا صاحب العصر والزمان أن يدعو في ما تبقى من ليالي وأيام القدر وشهر رمضان المبارك إلى الله تعالى بأن يمنّ على شعبنا بنصر حاسم على العدو، وأن يرزقه العزة والسعة والعافية، وأن يمنح الراحلين منهم المقامات الرفيعة والنعيم في الآخرة.
















