اقتران القمر بالثريا يزين سماء الأردن ويجسد حكمة الأجداد عن ذروة برد الشتاء
القبة نيوز - تشهد سماء الأردن ومعظم الدول العربية، ليلة الثلاثاء/الأربعاء المقبلة، ظاهرة فلكية لافتة تتمثل في اقتران القمر، بعمر يقارب تسعة أيام، مع العنقود النجمي الثريا (الأخوات السبع)، حيث يتواجد الاثنان في برج الثور، وفق ما أكده رئيس الجمعية الفلكية الأردنية عمار السكجي.
وأوضح السكجي أن القمر يواصل اقترابه من عنقود الثريا طوال ساعات الليل، لتبلغ ذروة الاقتران ما بين الساعة 12:18 بعد منتصف الليل وحتى 2:51 فجر يوم الأربعاء بتوقيت الأردن، وخلال هذه الفترة يحجب القمر عددًا من نجوم الثريا في مشهد فلكي جميل يجمع بين ظاهرتي الاقتران والاحتجاب.
وبيّن أنه ووفق الموقع الجغرافي لمدينة عمّان وضواحيها، تبلغ المسافة الزاوية بين القمر وعنقود الثريا عند الساعة 12:18 بعد منتصف الليل نحو درجة قوسية واحدة و14 دقيقة قوسية، ثم يستمر القمر بالاقتراب تدريجيًا ليصل إلى مسافة تقارب 47 دقيقة قوسية عند حوالي الساعة 1:50 فجر الأربعاء، قبل أن يغرب القمر والثريا معًا بعد ذلك بنحو ساعة تقريبًا.
وأشار السكجي إلى أن هذه الظاهرة يمكن رصدها بالعين المجردة، خاصة من المناطق الأقل تلوثًا ضوئيًا، ولا سيما المناطق الصحراوية والبعيدة عن المدن، كما تبدو أوضح عند رصدها باستخدام النواظير والتلسكوبات، وتُعد هدفًا مميزًا لهواة التصوير الفلكي، سواء باستخدام الكاميرات الاحترافية أو الهواتف المحمولة، متوقعًا التقاط صور أيقونية لهذا المشهد من قبل المهتمين.
وبيّن أن هذا الاقتران يتزامن مع بلوغ القمر عمر تسعة أيام تقريبًا، وهي مرحلة يظهر فيها قريبًا من عنقود الثريا في سماء الشتاء، وقد لخّص العرب دلالة هذا المشهد بقولهم المأثور: «قِران تاسِع… بَرد لاسِع»، وهي عبارة تنتمي إلى التقويم النجمي العربي القديم المعروف بعلم الأنواء.
وأوضح السكجي أن هذه المقولة لم تكن مجرد سجع أو تعبير بلاغي، بل نتيجة علم عملي طويل تراكم عبر الملاحظة والتجربة، إذ يشير مصطلح "التاسع" إلى عمر القمر، بينما يصف "اللاسع" موجة برد مفاجئة وشديدة تترافق غالبًا مع هذا الاقتران في قلب فصل الشتاء.
وأضاف أن اقتران القمر بالثريا فلكيًا يأتي في فترة تكون فيها الشمس في أدنى ارتفاع لها، ويكون الليل في أطول مراحله تقريبًا، مع تراجع الإشعاع الشمسي إلى أدنى مستوياته، وهي ظروف تؤدي إلى انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة ليلًا، حتى وإن سبقتها أيام معتدلة، وهو ما يفسر وصف البرد بـ"اللاسع"، أي القارس الذي ينفذ إلى العظام.
وأشار السكجي إلى أن أهل البادية لم ينظروا إلى القمر والثريا بوصفهما مشهدًا جماليًا فحسب، بل اعتبروهما تقويمًا عمليًا لإدارة شؤون الحياة، إذ كان اقتران القمر بالثريا عند عمره التاسع علامة على بدء مرحلة شديدة من الشتاء، فيُتخذ الحذر في الترحال، وتُزاد طبقات الصوف، ويُقرّب الحطب، وتُؤجَّل الأسفار الطويلة، في منظومة معيشية كاملة بُنيت على دلالة فلكية واحدة.
وتابع أن هذا الاقتران يأتي هذا العام مع نهاية أربعينية الشتاء واقتراب دخول الخمسينية، أي قبل أيام قليلة من موسم "سعد الذابح"، الذي يبدأ مع طلوع نجمه في مطلع شهر شباط، وهو موسم اشتهر تاريخيًا بقسوة برده وتقلباته الجوية، كما عبّر عن ذلك الموروث الشعبي بقولهم: «الصيت للمربعانية والفعل لشباط».
ولفت السكجي إلى أن هذا الموروث الشعبي ينسجم بشكل لافت مع الفلك الحديث، إذ إن أطوار القمر تحدد ظروف الرصد الليلي، وموقع الثريا في السماء يحدد الفصل، واجتماعهما عند عمر قمري معين يشير إلى ذروة موسمية للبرودة، وهو ما أكدته اليوم الحسابات الفلكية الدقيقة بلغة الأرقام، بعدما عبّر عنه الأجداد شعرًا وحكمة.
وأضاف أن التقدم العلمي والتكنولوجي غيّر أساليب فهم الطقس، فلم تعد تعتمد كما في الماضي على الظواهر الفلكية وحدها، بل أصبحت تُحدد بدقة عالية من خلال نماذج الأرصاد الجوية الحديثة، وصور الأقمار الاصطناعية، والقياسات المباشرة لعناصر الطقس الأساسية، مثل درجات الحرارة والرطوبة والضغط الجوي وسرعة الرياح.
وبيّن أن هذه الأدوات العلمية تتيح التنبؤ بالتغيرات الجوية على المدى القصير والمتوسط بدقة كبيرة، مع متابعة تطور الكتل الهوائية والمنخفضات الجوية لحظة بلحظة، لتغدو قراءة الطقس اليوم علمًا قائمًا على البيانات والنمذجة الفيزيائية، لا على الملاحظة التراثية وحدها، مع بقاء هذا التراث محتفظًا بقيمته الثقافية والمعرفية في فهم علاقة الإنسان القديمة بالسماء والفصول.
















